Saturday, April 29, 2017

بابا الفاتيكان:لا وجود لجهنم وآدم وحواء مجرد أساطير

ي تصريح مثير للجدل
بابا الفاتيكان:لا وجود لجهنم وآدم وحواء مجرد أساطير

أكد البابا فرانسوا، امس أنه لا وجود لجهنم التي اعتبرها مجرد كتقنية أدبية، كما اعتبر ادم وحواء مجرد أساطير، كون كل هذه الأشياء مكتسبة من خلال التأمل والصلاة فقطن ولم تعُد موجودة.
وقال بابا الفاتيكان في تصريح مثير، أن ' 'الكنيسة لم تعد تعتقد في الجحيم حيث يعاني الناس، هذا المذهب يتعارض مع الحب اللامتناهي للإله، الله ليس قاضيا ولكنه صديق ومحب للإنسانية، وأنه لا يسعى إلى الإدانة، وإنما فقط إلى الاحتضان'، مضيفا :' نحن ننظر إلى الجحيم (جهنم) كتقنية أدبية، كما في قصة آدم وحواء، فالجحيم، مُجرد كناية عن الروح المعزولة، والتي ستتحد في نهاية المطاف، على غرار جميع النفوس، في محبة الله'.
البابا المثير للجدل اعتبر، أن جميع الأديان صحيحة وعلى حق، لأنها كذلك في قلوب كل الذين يؤمنون بها، مشيرا إلى أن 'الكنيسة في الماضي، كانت قاسية تُجاه الحقائق التي تعتبرها خاطئة من الناحية الأخلاقية أو تدخل في باب الخطيئة، أما اليوم نحن لم تعد قضاة نحن بمثابة الأب المحب، لا يمكن أن ندين أطفالنا، وإن كنيستنا كبيرة بما يكفي لتسع ذوي الميول الجنسية الغيرية والمثليين جنسيا، وللمؤيدين للحياة ومؤيدي الإجهاض للمحافظين والليبراليين والشيوعيين، الذين هم موضع ترحيب والذين انضموا إلينا، نحن جميعا نحب ونعبد نفس الإله'.
وأردف البابا أن الكاثوليكية 'عرفت تطورات مهمة وهي اليوم ديانة حداثية وعقلانية، حيث حان الوقت للتخلي عن التعصب والاعتراف بأن الحقيقة الدينية تتغير وتتطور، حتى الملحدين يعترفون بالإله، ومن خلال أعمال الحب والمحبة يقر الملحد بالله ومن تم بتخليص روحه، ليُصبح بذلك مشاركا نشطا في فداء البشرية.'
تصريحات البابا لم تقف عند هذا الحد بل اعتبر أن 'الإله في طور تغيير وتطور مستمر كما هو الشأن بالنسبة إلينا نحن، لأن الرب يسكن فينا وفي قلوبنا، عندما ننشر الحب والجمال في العالم فإننا نلمس إلهنا ونعترف به، كما أن الإنجيل كتاب مقدس جميل، لكنه ككل الأعمال العظيمة القديمة هناك بعض الأجزاء منه عفى عليها الزمن وتحتاج إلى تحيين، وهناك بعض المقاطع التي تدعو حتى إلى التعصب ونصب المحاكم'.
المؤكد أن تصريحات بابا الكنيسة الكاثوليكية، ستجر عليه لغطا كثيرا في صفوف الكنيسة الكاثوليكية، وعلى صعيد الديانة المسيحية والديانات الأخرى، خصوصا وأن ما نطق به البابا يمُس في العمق بعض 'الثوابت' التي تأسست عند المؤمنين بالديانات السماوية .
بعد الهجوم العارم الذي تلقاه موقع تليكسبريس عقب نشر التصريح المفاجئ للبابا فرانسوا : لا وجود لجهنم وآدم وحواء مجرد أساطير، نشر الموقع التوضيح التالي:
'عندما قررنا نشر تصريحات البابا فرانسوا، بخصوص جهنم وقصة آدم وحواء، لم نكن نتوقع ان يكون للخبر ذاك الزخم وتلك الاثار التي تعدت حدود المغرب لتمتد إلى المشرق وبلدان الغرب المسيحي، حيث توصلنا بوابل من المكالمات حول حقيقة ما قاله عظمة البابا وحول مصادرنا في ذلك..
كما ان البعض الآخر لامنا على ما قمنا به، حيث اعتبروا ذلك يدخل في إطار المس بالثوابت الدينية عند أهل الكتب السماوية، ومن تم تهديد عقيدتهم..
وللحقيقة نقول ان ما قمنا به يدخل في إطار تنوير القارئ بخصوص ما يجري حوله من احداث ووقائع تمس حاضر ومستقبل البشرية، وما مراجعات البابا بخصوص بعض العقائد التي اصبحت في حكم الثوابت عند المسيحيين، والتي رأى فيها انها متجاوزة وتمس بالمحبة الالهية، إلا إحدى تجليات هذه الاحداث التي سيكون لها ما بعدها في المستقبل القريب..
مراجعات البابا التي اوردناها في مواقعنا الثلاثة مأخوذة من مقال بموقع ' GLOBAL RELAY NETWORK '، وقد قمنا بترجمة تقريبية لما جاء في المقال مع إضافة فقرة حول اثر هذه التصريحات ووقعها على معتنقي الديانات السماوية..
لكل هذه الاسباب نقول للذين اتصلوا بنا، وخاصة اولئك الذين رأوا في الخبر مناسبة للهجوم علينا ونعتنا بالكفار والملحدين، اننا لا نريد من وراء الخبر إلا تنوير القارئ ولا نبحث بالتالي لا على زعزعة عقيدة، سواء كانت لمؤمن بديانة من الديانات السماوية او غيرها، او زحزحة قارة من القارات من مكانها، لأن ذلك لا يدخل في اختصاصاتنا..
كما نحيل هؤلاء على مجموعة من الكتابات التي تناولت موضوع قصة آدم وحواء بين الرمزيّة والواقعيّة، وهي كتابات لمسلمين ومسيحيين لا يمكن التشكيك في أيمانهم ومن تم رميهم بتهم الكفير والإلحاد.
الحدث نيوز -

Wednesday, April 22, 2015

كيفية نجاة المسيح من المؤامرة

وإذا كانت الأدلة قد شهدت للمسيح بالنجاة، وأن مؤامرة الأشرار لن تلحق به الأذى، فنجا المسيح من الموت على الصليب الذي أراده له أعداؤه. فإن هناك سؤالاً يطرح نفسه: كيف نجا المسيح ؟ وكما أسلفنا فإن القرآن والسنة لا يذكران كيفية نجاة المسيح، وكل ما ذكره القرآن أن الله شبه عليهم غير المسيح، فأخذوه وهم ليس لهم به علم يقيني.
لذا نعود إلى قصة الأناجيل وهي تتحدث عن الصلب المزعوم، لنرى كيف نجا المسيح ؛ ولابد لنا هنا من قراءة ما بين السطور الإنجيلية، لتلمس الحقيقة التي يصرح الإنجيليون بخلافها.
وبداية نذكر أنه لا يرى المسلمون أي ضير في القول بالكثير من التفصيلات التي أوردتها الأناجيل، وإن كنا نشك في حصول بعضها، لكن نقبلها تنزلاً مع محاورينا من النصارى، ومنها: 
1) أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه. 2) أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلاً، وبإلحاح كبير طالباً من الله أن يصرف عنه كأس الموت. 3) أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره، فقال: " ليس كما أريد أنه بل كما تريد أنت " (متى 26/39 ) وقال: " فلتكن مشيئتك ( متى 26/41 ). 4) المسيح يصلي، والتلاميذ نيام، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة. 5) وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن، ومعه الجند، يحملون مشاعل وسيوفاً وعصياً، للقبض على المسيح، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح. 6) وصلت الجموع؛ فخرج إليهم المسيح، وقال: من تطلبون ؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال المسيح " أنا هو " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا 18/6 ).7) حاول بطرس الدفاع، لكنه كان أعجز من ذلك، فهرب وجميع التلاميذ. 8) اقتيد المأخوذ ( وهو غير المسيح) للمحاكمة عند رئيس الكهنة، ثم بيلاطس، وبطرس يتابعه في بعض ذلك، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات. 9) في المحاكمة سأل رئيس الكهنة، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح، فأجابه: "أنت قلت، وأيضاً أقول لكم: من الآن، تبصرون ابن الإنسان جالساً يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " ( متى 26/64 ). 10) حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله: إن كان هو ملك اليهود، فأجابه: " أنت تقول " ثم لم يجبه بكلمة واحدة، حتى تعجب بيلاطس منه. 11) لم يجد الوالي للمأخوذ علة يستحق عليها القتل، فأراد أن يطلقه، لكن الجموع أصرت على صلبه، وإطلاق باراباس، فأعلن براءته من دم هذا البار، وأسلمه لهم. 12) اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب، وصلب بجوار لصين. 13) صرخ على الصليب، فسقوه خلاً، ثم أسلم الروح.
ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة، وهي من هو المأخوذ من ساحة القبض على المسيح؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك، إذ هي موضع النزاع، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير.
ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ، وأنه حصل التباس عند آخذيه، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير، تحمل المشاعل والسيوف والعصي، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا.
ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نياماً، وقد حاول المسيح إيقاظهم مراراً فلم يستطع، برغم أن الموقف كان صعباً، فقد كانت عيونهم ثقيلة، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا، والتلاميذ نيام " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا 18/6).
وهنا نتوقف ملياً، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور. فما فائدة سقوطهم على الأرض ؟ وما الذي أسقطهم ؟ وماذا أفاد المسيحَ سقوطهم، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها ؛ وَلم لَمْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها ؟
ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب، وفي تلك اللحظة اقترب الجند. حملة المشاعل والسيوف. للقبض على المسيح، فتدخلت قدرة الله العظيم – كما ذكر يوحنا-، فسقطوا على الأرض، بعد أن رجعوا للوراء. ولك أن تتخيل ما حصل، من هرج، وتدافع، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم.
بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض وأفاقوا من ذهولهم لما حصل لهم، ورأوا يهوذا وحده مبهوتاً أصابه الذهول، وقد رأى المسيح يرفع للسماء، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا، ومن الذي يعرفه وقتذاك؟
فكانت لحظةُ وقوع الجند: لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه …. هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا " ( مزمور 20/8 ).
وفي مزمور آخر: " أما أنت فتبارك، قاموا وخزوا ( مزمور 109/28 ).
وفي مزمور آخر تسجل تلك اللحظة الخالدة: "حينئذ ترتد أعدائي إلى الوراء " ( مزمور 56/9 ) و "ليرتد إلى خلف، ويخجل المشتهون لي شراً " ( مزمور 70/2 ). " عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي، ومضايقي وأعدائي عثروا وسقطواً" ( مزمور 27/2 ) وغيرها.
بعدها حُمل يهوذا إلى المحاكمة وإلى ديوان بيلاطس، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات، فقد شك فيه رئيس الكهنة، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبئ عن الذهول الذي أصابه، وعن عجزه عن بيان الحقيقة، التي لن يقنع أحداً إن ذكرها، فكان يجيبهم: " أنت تقول" ( متى 27/11 ).
ولما اجتمع في النهار مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة، " وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت أنت المسيح، فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون: إني أنا هو ". ( يوحنا 22/66 - 70 ).
ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح، وإن أشبهه، وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ، فلم ينكر ولم يثبت.
وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره، إذ لن يصدقه أحد، ولربما ولفرط ندمه قد استسلم لرداه، ورضي بعقوبة الله له، أن يصلب عن المسيح، لعله بذلك أن يفديه، لذلك تكرر سكوته.
وهذا الموقف ليس بعيداً عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه، وانتحر.
لقد تحققت فيه نبوءات المزامير " وإذا حوكم فليخرج مذنباً... ووظيفته ليأخذها آخر " (المزمور 109/6 - 8 )، لقد أتى ليخطف المسيح، فلم يستطع.. "حينئذ رددت الذي لم أخطفه " ( المزمور 69/4 ).
وقد يشكل هنا أن متى ذكر أن يهوذا مات مخنوقاً ( انظر متى 27/2 - 5 )، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه. (انظر أعمال 1/16 - 20 )، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا، فاخترع كل من متى ولوقا نهاية ليهوذا تليق بجريمته، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين، مشعر بوجود نهاية حقيقية، خفيت على الكاتبين ودفعتهما لاختلاق روايتيهما.
والقول بصلب يهوذا بدلاً عن المسيح قول قديم: فكما ذكره برنابا في إنجيله، ذكرته فرق مسيحية قديمة قبل الإسلام، منها: السيرنثيون والكربوكرانيون.
وقد يعترض معترض بذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد وقوع الجموع، فقد ذكر الإنجيليون أن بطرس حمل السيف، وضرب أذن العبد فأمره المسيح برد السيف، لأن من ضرب بالسيف يؤخذ به، فهرب بطرس والتلاميذ (انظر يوحنا 18/10 - 19 ) وهذه القصة يجعلها يوحنا بعد حادثة تراجع الجند، ووقوعهم على الأرض.
ومثله ذكر يوحنا أيضاً بعد سقطتهم، أن المسيح سألهم: " من تريدون ؟ فقالوا: يسوع الناصري. أجاب يسوع: قد قلت لكم إني أنا هو … ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع، وأوثقوه " ( يوحنا 18/7 - 12 ).
كما قد يعترض معترض بذكر ما انفرد به يوحنا، وهو حضور أم المسيح إلى ساحة الصلب، فيقول: لا يصح أن يخفى عليها حقيقة المصلوب، وأن ليس ابنها.
لكن أمثال هذه النصوص التي لن يستطيع أحد أن يثبت عصمتها لتناقضها الذي بيناه، ولا تنهض في الرد على نبوءات المزامير والأناجيل، وإلحاقها بتناقضات الأناجيل وأخطائها أَوْلَى.
ولعلنا نتذكر أن القبض على يهوذا كان ليلاً، فيكتنفه ما يكتنف الظلام من ستر، وخفاؤه فيما بعد ذلك، بسبب ظروف محاكمته وصلبه، وقد رأينا منهم شكاً في شخصية المأخوذ، فدل ذلك كله على أن في شخصية المأخوذ ما أشكل عليهم، وهو ولا ريب يشكل على من رآه مصلوباً عرياناً. ثم يراه قد ألبس في محاكمة بيلاطس وهيرودس ملابس غريبة فتغير شكله، ثم لما صلب كان عرياناً، وصلب في بستان معزول، ولم يمكث على الصليب فترة طويلة....
يقول برنابا، وقد كشف له المسيح عن الحقيقة بعد هلاك يهوذا: " يا معلم: إذا كان الله رحيماً، فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت.. أجاب يسوع: … فلمّا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله " ( برنابا 220/ 14-20 ).
وقد كان، فأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بالحقيقة التي غابت عن النصارى طويلاً، وصدق الله وهو يقول: { وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولـكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ مّنه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً  بل رّفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً حكيماً } (النساء: 157-158).

قصة الصلب عند الأمم الوثنية

وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه، فإنه إنما يكرر عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل، وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية القديمة، حتى أضحت قصة الصلب في الأناجيل قصة منحولة من عقائد الأمم الوثنية، ولعل أوضحها شبهاً بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل " فقد كشفت لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد عن قصة تشابه تماماً ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته، ونقل "فندلاي" وغيرِه المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية.ويوضح ذلك الجدول التالي:
محاكمة عيسى عليه السلاممحاكمة بعل
1 - أخذ عيسى أسيراً.
2 - وكذلك حوكم عيسى.
3 - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة.
4 - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل.
5 - وكان مع عيسى قاتل اسمه: "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى.
6 - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء.
7 - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه.
8 - مريم المجدلية، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه.
9 - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، وفي مطلع الربيع أيضاً، وصعد إلى السماء.
1 – أخذ بعل أسيراً.
2 – حوكم بعل علناً.
3 – جرح بعل بعد المحاكمة.
4 – اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل.
5 – كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر.
6 – بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس.
7 – حُرس بعل في قبره حتى لايسرق أتباعه جثمانه
8 – الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه.
9 – قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء.
وقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية، عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل.
وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثينة مشابهة. فقد ذكر متى أحداثاً غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة... وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت... " ( متى 27/45 - 53 ).
وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم. من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً..... "
ويقول عباد بروسيوس " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض ".
"والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان.
كما ينقل المؤرخ "كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح" وينقل جيبون في تاريخه أن عدداً من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول :" لما قتل المخلص اسكولا بيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ".
والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان، وعليه، فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات.
وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حلول الكسوف، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب، ومنه أخذ متى قوله: "ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " ( متى 27/45 ).
ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات".
وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض "حتى إن مهاويو (الإله العظيم ) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس، فقام كام ( أي بوذا ) حياً، وبُدلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد... "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زورستر).
ويقول عابدو (سكولا بيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته: " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور.... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافراً وتصير إلهاً ".
وعن تموز يقول البابليون: " ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ".
ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، "ومتراس" وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت.
ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. ويقول المؤرخ مهامي: " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله ".
صدق فيهم قول الله عز وجل { ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } (التوبة: 30).

بولس واختلاق قصة صلب المسيح

ويبقى السؤال موجهاً للمسلمين المنكرين لصلب المسيح من أين وردت على النصارى مقالة صلب المسيح؛ وهل خفي عليهم حقيقة المصلوب؟ أم خفي عليهم وقت الصلب، ثم كُشف لهم بعد ذلك لكنهم استمرؤوا الباطل ؟ 
وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن الأناجيل الأربعة مخطوطات قديمة، كتبها أشخاص في أوقات مختلفة، حسب ما تناهى إلى مسامعهم من الروايات الشفهية المتناقلة، وهم لم يَّدعوا لها الإلهام ولا القدسية، فكتب كلُُّ حسب ما سمع، مناقضاً الآخرين، أو موافقاً لهم. 
ونجاة المسيح ورفعه أمر خفِي على الكثيرين من معاصري المسيح، فظنوا أن المصلوب هو المسيح، إذ لم يشاهد معجزة رفع المسيح إلا يهوذا الخائن، عندما أخذوه في لحظة التسليم، وقد شبه عليهم وهم في شك منه كما تبين لنا قبلُ. 
ويرى المحققون أن فكرة صلب المسيح هي بعض مبتدعات بولس، الذي وجد في قصة الصلب القلب النابض للمسيحية الجديدة التي أنشأها، والتي يؤكد عليها بولس في رسائله ومنها قوله: "لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً " ( كورنثوس (1) 2/2 ).
وقد امتلأت رسائله بالتأكيد على صلب المسيح، مما حدا بأرنست دي بوش الألماني للقول في كتابه: " الإسلام: أي المسيحية الحقة ": " إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومَن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، وليست من أصول النصرانية الحقة". 
وقد استغل بولس الاضطراب الذي حصل في حقيقة ما جرى للمسيح، بين قائل بأنه صلب، أو أن المصلوب غيره، أو سوى ذلك مما أشيع في تلك الأيام.. ووظفه، وجعله قاعدة لضلالته المسماة "الفداء". 
ونعود لبولس لنتساءل عن موقف النصارى الأوائل من دعواه صلب المسيح، التي كتبها الإنجيليون بعد وفاته. 
وبالتأمل في رسائل بولس التي أكدت صلب المسيح وأهمية هذا الحدث كمعتقد، نجد في طياتها موقف الحواريين والأتباع الأوائل الرافض لبدع بولس ومن ضمنها ولا ريب عقيدة الصلب.
فيرى أحمد عبد الوهاب هذا الموقف في قول بولس وشكواه في رسالته لتيموثاوس " أنت تعلم هذا، أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني " ( تيموثاوس (2) 1/15 ).
وفي رسالته لأهل غلاطية يشكو من أولئك الذين كذبوه " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح، إلى إنجيل آخر، ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح، ولكن إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيما " ( غلاطية 1/6 - 8). 
ويقول بولس: " ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات ؟ فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم " ( كورنثوس (1) 15/13 )، فالنص يتحدث عن إنكار بعض التلاميذ لصلب المسيح أو على الأقل لقيامته من الأموات. 
ويرى المحققون أن الحواريين ما كانوا يعرفون شيئاً عن صلب المسيح، بدليل خلو رسائلهم الموجودة في العهد الجديد من الحديث عن المسيح المصلوب. 
يقول المؤرخ فوتيوس: إنه قرأ كتاباً يسمى "رحلة الرسل" في أخبار بطرس ويوحنا واندراوس وتوما وبولس، ومما قرأ فيه " إن المسيح لم يصلب، ولكن صلب غيره، وقد ضحك بذلك من صالبيه".
وتظهر المعارضة الصريحة لدعوى بولس صلب المسيح من الحواري "برنابا" في إنجيله الذي تتنكر له الكنيسة، وقد ذكر في مقدمته سبب تأليفه لهذا الإنجيل فيقول: " الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق، الذي رأيتهُ وسمعتهُ أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وعليه، فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه، لتخلُصوا خلاصاً أبدياً " ( برنابا مقدمة /7 - 9 ). 
وكانت الفرق المسيحية المنكرة للصلب صدى لإنكار الحواريين على بولس كما قد سبق تفصيله.
كما تكشف لنا الكشوف الأثرية عن إنجيل اكتُشف حديثاً في نجع حمادي منسوباً للحواري المقرب بطرس، ينكر فيه صلب المسيح، ويقول برفعه قبل إجراء الصلب. 
ويعترف النصارى من مفسري الأناجيل بحدة الخلاف لبولس وتلاميذه، في مسألة صلب المسيح، وأن هذا الخلاف دعا الإنجيليين إلى التأكيد على أن المسيح قد صلب كما قال بولس الذي سبقت رسائله الأناجيل الأربعة في تاريخ كتابته.
فنقل أصحاب الأناجيل فيما بين سطور الأناجيل الإنكار على بولس وتكذيب صلب المسيح، يقول مرقس: " ثم خرجوا به ليصلبوه، فسخروا رجلاً مجتازاً كان آتياً من الحقل، هو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه " ( مرقس 15/20 - 23 ).
يقول المفسر نينهام في تفسيره لمرقس: " يبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة؛ التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب، وما من شك في أن أحد الأسباب في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل؛ كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدراً للمعلومات عن الصلب، جديرًا بالثقة.. ولعل السبب في حذف هذه الرواية والخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب - من إنجيل يوحنا، هو الادعاء: بأن سمعان قد حل محل يسوع، وصُلب بدلاً منه، ولا يزال سارياً في الدوائر الغنوسطية، التي كانت لها الشهرة فيما بعد ".
وهكذا نفهم سبب مخالفة يوحنا للأناجيل الثلاثة في مسألة " من حمل الصليب " فيقرر أنه المسيح، حمل صليبه بنفسه فيقول: " فأخذوا يسوع، ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة.. حيث صلبوه " ( يوحنا 19/16 - 18 ).
وينبه فنتون شارح إنجيل متى إلى مثل هذا الفعل من متى، عندما عدَّل ألفاظ مرقس وهو ينقل عنه في أحداث اللحظة التي بعد اقتسام الثياب والاقتراع عليها، حيث يقول مرقس: " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " ( مرقس 15/25 ) لكن متى يغير، فيقول بعدها:." ثم جلسوا يحرسونه هناك " ( متى 27/36 )، فتكلم متى عن حراسة يسوع أثناء الصلب وبعده. ويرى فنتون أن ذلك " إنما يرجع إلى وجود أناس قالوا بأن يسوع قد أنزل من على الصليب، قبل أن يموت. كذلك فإن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صُلب بدلاً من يسوع. فلعل متّى كان يرد على هذه الأقوال ".

إمكانية نجاة المسيح

كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح عليه السلام من تأييد الله له، وهذه الأعاجيب التي أوتيها تجعل نجاته - في تلك الليلة في بستان جثماني - ممكنة، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مراراً من الإفلات من كيد اليهود، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمراً متوقعاً غير مستنكر ولا مستغرب، بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالاً كبيراً: أين اختفت هذه القدرات وهذه المعونة الإلهية له؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها.
فالمسيح - حسب ما ذكرت الأناجيل - قد أعطاه الله عز وجل قدرة على النجاة، والهروب من بين يدي أعدائه، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شراً، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه، وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها: قول لوقا: "فامتلأ غضباً جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، فقاموا وأخرجوه خارج المدينة، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنية عليه، حتى يطرحوه إلى أسفل، أما هو فجاز في وسطهم، وانحدر إلى كفر ناحوم" ( لوقا 4/28 - 31 ).
ولما كان في الهيكل، وكثر الجدال بينه وبين اليهود، هموا بقتله " فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى، وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى " ( يوحنا 8/59 ).
وفي مرة أخرى جادلهم " فطلبوا أن يمسكوه، ولم يلق أحدٌ يداً عليه، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، فآمن به كثيرون في الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا " ( يوحنا 7/30 - 31 ) وقولُ إنجيل يوحنا:" لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح.
وفي يوم العيد حصل مثله " فحدث انشقاق في الجمع لسببه، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي " ( يوحنا 7/43 - 44 ).
ولما تمشّى في رواق سليمان، وأسمعهم دعوته " فطلبوا أن يمسكوه فخرج من أيديهم، ومضى أيضاً إلى عبر الأردن " ( يوحنا 10/39 - 40 ).
ولما كان في الخزانة في الهيكل، حاولوا إمساكه " ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " ( يوحنا 8/20 ).
ويبقى السؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود، فاستعمالها في الهرب من الجند أَوُلَى.
في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله عز وجل عنه في شأن المسيح، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } (المائدة: 110) لقد رأوا ساحراً يسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم.
ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب، يقول يوحنا: " ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع، ووقف في الوسط، وقال لهم: سلام لكم " ( يوحنا 20/19 )، وفي لوقا لم يذكر إغلاق الأبواب، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة " وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً " ( لوقا 24/36 - 37 ).
كما ثمة أعجوبة أخرى، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكناً، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله، حتى يعجز المقربون منه عن معرفته، وقد صنع ذلك مراراً.
فقد خفي بعد القيامة على تلاميذه مرات عديدة، فخفي على مريم المجدلية التي هي من أقرب الناس إليه، وظنته البستاني، ولم تعرفه إلا بعد برهة. ( انظر يوحنا 20/14 - 15 ).
وكذلك خفي على التلميذين المنطلقين لعمواس، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما. (انظر لوقا 24/13 - 19 ).
وخفي أيضاً على التلاميذ مجتمعين، وهم يصيدون في بحيرة طبريا، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا. ( انظر يوحنا 21/1 - 7 ).
كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب، ومن ذلك: ما ذكره لوقا " وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مبيضاً لامعاً، وإذا رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيلياء " ( لوقا 9/29 ).
ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا " وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، وتغيرت هيئته قدامهم " ( متى 17/1 - 2 ).
فلئن صح أن المسيح يقدر على تغيير شكله حتى يخفى أمره على الخلص من تلاميذه، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها.
وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح، ورفعة إلى السماء، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن، وليس غريباً على قدرة الله العظيم.
كما أن توراة القوم وإنجيلهم، يتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم: أخنوخ " وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه " ( التكوين 5/24 ). ومثله إيليا "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار، وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا من العاصفة إلى السماء " ( ملوك (2) 2/11 ).

الشك في شخص المصلوب

ذكرنا أن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب، لكن لغير المسيح عليه السلام، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه، فصلب بدلاً عن المسيح عليه السلام.
وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح، لكنه يقيناً ليس بالمسيح عليه السلام. قال الله تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً } (النساء: 157).
وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك: 
أولها: أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال: من تطلبون ؟ فأجابوه: يسوع الناصري، فأخبرهم بأنه هو، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه فأعاد عليهم السؤال، فأعادوا الجواب. ( انظر يوحنا 18/3 - 8 )
فهذا يدل على شكهم في شخصه، والسؤال المثير للاستغراب: كيف وقعوا بهذا الشك والمسيح قد عاش بين أظهرهم وهو أشهر من علم ؟
ثانيها: شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ، وهو أمر جِد مستغرب، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل ( انظر متى 21/12 - 15، 23 - 46 ).
وقد قال لهم حين جاءوا لأخذه: " كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيٍ لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل، ولم تمسكوني " ( متى 26/55 ).
ويظهر الشك جلياً في قول رئيس الكهنة له أثناء المحاكمة: " أستحلفك بالله الحي، أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله ؟ " ( متى 26/62 – 64 ).
ويجلي لوقا ذلك فيقول " ولما كان النهار، اجتمعت مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت المسيح فقل لنا فقال لهم: إن قلت لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله، فقال الجميع: أفأنت ابن الله ؟فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو " ( لوقا 22/66 - 70 ).
فنلاحظ أن الجميع كان منشغلاً بتحقيق شخص المأخوذ، حتى في محاكمته.
ونلحظ أيضاً أن إجابة المأخوذ كانت:" أنت قلت " وقال لبيلاطس: " أنت تقول "، بمعنى أنه لم يصدق كلامهم ولم يكذبه، لكنه قال لهم: هذا ما تقولونه أنتم.
ثم ما هي الإجابة التي لن يصدقها رؤساء الكهنة ؟ ولو صدقوها لأطلقوه ؟ هي بلا شك: أنه ليس المسيح، بل يهوذا، وأما عيسى فقد أخبرهم يهوذا عن مكانه " جالساً عن يمين قوة الله " أو كما قال متى: " جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " ( متى 26/64 ).
وقد يسأل سائل: كيف عرف يهوذا مكان المسيح ؟ والجواب بسيط، لقد رأى يهوذا المسيح وهو ينجو ويصعد به إلى السماء، يوم أن اُلقي القبض عليه، بعد وقوع الجند.
وهنا قد يتساءل البعض لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ؟
وفي الإجابة نقول: لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية، في كلامه، وذكائه وشجاعته، وعلمه، بل وصوته، وهم اليوم لا يرون شيئاً من ذلك، وهو ما حصل مع هيردوس: " وأما هيردوس فلما رأي يسوع فرح جداً، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه، وسأله بكلام كثير، فلم يجبه بشيء … فاحتقره هيرودس مع عسكره، واستهزأ به " ( لوقا 23/8 - 11 )، لقد رآه دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه، بل لم يجد لديه أياً من معالم العظمة التي كان يسمع عنها.
وهذا الشك في المصلوب، هو ما تؤكده وثيقة إبراء اليهود من دم المسيح والصادرة عن الفاتيكان 1965 م فقد جاء فيها إن صحت النسبة إليها: " اليهود لم يصلبوا السيد المسيح إطلاقاً، وإنما صلبوا شخصاً لم يعرفوه، ولو عرفوا أنه المسيح: لم يفعلوا ذلك... أقرب الناس إلى المسيح لم يعرفه، فكيف يعرفه اليهود؟ ". و في ذلك كله تصديق لما أخبر عنه القرآن الكريم، قبل قرون طويلة من الشك في شخصية المصلوب. فقد قال الله تعالى موضحاً حالهم مع المصلوب وحيرتهم في شخصه: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً } (النساء: 157).